المقدمة:
الطب النفسي الجسدي تخصص طبي يدرس العلاقة التبادلية بين العقل والجسد، ويمتد دوره إلى فهم السياق النفسي والاجتماعي الذي ينشأ فيه المرض. ومن هذا المنطلق، يقع هذا التخصص في موقع فريد لفهم ظاهرة انجذاب المرضى نحو العلاجات غير المثبتة علمياً؛ إذ أن المريض الذي يلجأ إلى مثل هذه العلاجات لا يتصرف بسذاجة بالضرورة، بل غالباً ما يعاني من ضائقة نفسية حقيقية كالإرهاق من المرض المزمن والخوف من المستقبل. لذا يتدخل الطب النفسي الجسدي مبكراً من خلال تقييم الصحة النفسية للمرضى، وبناء علاقة علاجية قائمة على الثقة، ومعالجة اليأس قبل أن يدفع المريض نحو البحث عن “أمل زائف” خارج نطاق الطب الآمن.
لماذا يقع المرضى ضحية لـ “وهم الأمل” والطب الزائف؟
من منظور الطب النفسي الجسدي، هناك عدة عوامل تجعل الترويج للعلاجات غير العلمية مؤثراً ومغرياً لبعض المرضى منها:
- الاحتراق المرتبط بالمرض المزمن (Chronic Illness Burnout): المرضى المصابون بأي من الأمراض المزمنة يعانون أحياناً من إرهاق واحتراق عام نتيجة الالتزام اليومي بالأدوية والقيود الغذائية، ويواجه الكثير صعوبة التأقلم مع التغيير والحرمان الناتج عن أمراضه المزمنة. المروجون للطب الزائف يستغلون هذا الإرهاق بتقديم “حلول سحرية وسريعة” تعد بالشفاء التام وتريح المريض من عبء الروتين الطبي دون المراعاة لصحة المريض العامة أو المضاعفات المحتملة الناتجة عن أي تدخل على الخطة العلاجية.
- متلازمة الأمل الزائف (False Hope Syndrome): عندما يشعر المريض باليأس أو الخوف من مضاعفات المرض، فإنه يبحث عن أي طوق نجاة. الأنظمة الزائفة تلعب على وتر العاطفة وتقدم تطمينات وهمية تتفوق في جاذبيتها على لغة الطب المبنية على الحقائق والاحتمالات.
- تأثير الدواء الوهمي المضل (The Placebo Trap): عند بدء المريض بنظام غذائي جديد، قد يشعر بتحسن نفسي وجسدي مؤقت بسبب “تأثير البلاسيبو” (الإيحاء النفسي أو الدواء الوهمي)، مما يجعله يعتقد خطأً أن النظام يعالجه، فيقوم بإيقاف أدويته الحيوية (كالأنسولين)، لتحدث الكارثة الجسدية لاحقاً.
كيف نستخدم التقنيات النفسية الجسدية لتعضيد بيان الصحة ومنع تكرار المضاعفات؟
لمنع المرضى من الانجراف وراء هذه الادعاءات، ينصح دمج الرعاية النفسية بالرعاية الجسدية عبر الخطوات التالية:
- إعادة البناء المعرفي (Cognitive Restructuring): ينصح الأطباء باستخدام تقنيات العلاج المعرفي السلوكي لتحديد المعتقدات الخاطئة لدى المريض حول الأغذية والأدوية وتصحيحها مبكراً، قبل أن يبحث عن بدائل غير آمنة.
- التواصل الطبي المتعاطف (Empathetic Medical Communication): مروجو الطب الزائف يمنحون المرضى وقتاً واهتماماً وتعاطفاً (وإن كان زائفاً). ولذلك فإن تدريب الممارسين الصحيين على التواصل الفعال واحتواء المريض عاطفياً يقلل من احتمالية لجوئه لمصادر خارجية.
- معالجة “الكدر المرتبط السكري” (Addressing Diabetes Distress): تقييم الصحة النفسية لمرضى السكري بشكل دوري وعلاج القلق والاكتئاب المصاحب للمرض، مما يزيد من مرونتهم النفسية وقدرتهم على الالتزام بالخطة العلاجية المبنية على البراهين.
- التثقيف النفسي المجتمعي (Psychoeducation): إطلاق حملات توعوية تركز على “التفكير النقدي الصحي”، وتوعية المجتمع بأن الرغبة العاطفية في الشفاء السريع يجب ألا تلغي التفكير المنطقي والعلمي.
تؤكد الجمعية على أهمية تطبيق النموذج “العضوي (البيولوجي)- النفسي – الاجتماعي” في الرعاية الصحية، وندعو جميع المرضى للالتزام بتوجيهات من مصادر موثوقة مثل الجمعيات السعودية العلمية ووزارة الصحة، واستقاء المعلومات من منصة “عش بصحة” ومركز الاتصال (937).
