مقدمة: الترابط بين العقل والجسد

من المعلوم أن العلاقة بين النفس والجسد وثيقة، حيث أثبتت دراسات عديدة أن الاضطرابات النفسية كالاكتئاب قد تسبب أمراضًا عضوية أو تفاقمها، والعكس صحيح أيضًا، فالأمراض العضوية وأدويتها قد تؤدي إلى معاناة نفسية عميقة.

للبرهنة على حجم هذا الترابط، يمكننا النظر إلى العلاقة بين الاضطرابات النفسية وأمراض شرايين القلب. فقد أكدت الدراسات أن اضطراب الاكتئاب يزيد من نسبة النوبات القلبية المميتة بمعدل ضعفين إلى خمسة أضعاف. ولتفسير هذا التشابك، أشارت الدراسات إلى أن الضغوط النفسية تزيد من تخثر الدم ونسبة الالتهابات، وتسبب اضطرابًا في الجهاز العصبي اللاإرادي. كما تساهم العوامل السلوكية المصاحبة للاكتئاب، مثل السمنة والتدخين، في تفاقم أمراض القلب.

تتضاعف معدلات الإصابة بأمراض نفسية كالاكتئاب والقلق لدى المصابين بأمراض جسدية مزمنة مثل الفشل الكلوي والسكري. والفشل في تشخيص وعلاج هذه الاضطرابات يؤدي إلى مضاعفة معدلات المراضة والوفيات، فمثلًا، يزيد اضطراب الهذيان من معدلات الوفاة في أجنحة العناية المركزة. بالإضافة إلى ذلك، يسبب تضاعف الأمراض النفسية إفراطًا في استهلاك الخدمات الصحية العامة، مما يزيد من الكلفة الإجمالية للرعاية الصحية، خاصة في الدول التي تعاني من ضعف خدمات الطب النفسي الجسدي.

 

دور المختصين في الطب النفسي الجسدي

يتصدر المختصون في الطب النفسي الجسدي طليعة الممارسات الطبية والنفسية المتكاملة، حيث يقدمون رعاية متخصصة للمرضى الذين يعانون من حالات طبية معقدة في مختلف الأجنحة الطبية، سواء في العيادات أو المستشفيات.

يقوم الأطباء النفسيون الجسديون بمهام حيوية منها:

  • وضع تدخلات سلوكية للتعامل مع الاضطرابات النفسية لدى كبار السن بعد العمليات الجراحية.

  • اكتشاف التداخلات الدوائية الخطيرة التي قد تحدث بين أدوية الأمراض الجسدية والأدوية النفسية.

  • تقديم العلاج المنقذ للحياة باستخدام تقنيات متقدمة مثل العلاج بالصدمات الكهربائية في حالات معينة.

  • مساعدة المرضى وفرق رعايتهم على التعامل مع الآلام المزمنة والأعراض الجسدية.

  • تقديم العلاج النفسي للمصابين بالأمراض المزمنة مثل السرطان والاكتئاب.

  • قيادة الفرق العلاجية للمرضى المصابين بالاكتئاب أو القلق في المراكز الصحية.

 

تخصص الطب النفسي الجسدي في المملكة العربية السعودية

يعد تخصص الطب النفسي الجسدي أحد التخصصات الدقيقة الفرعية للطب النفسي في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك المملكة العربية السعودية. يوجد في المملكة حالياً ثلاث زمالات دقيقة في الطب النفسي، ومنها الزمالة السعودية للطب النفسي الجسدي التي تم إنشاؤها في عام 2015 تحت مظلة جامعة الملك سعود ثم توسعت لتصبح تحت مظلة الهيئة السعودية للتخصصات الصحية.

يوجد حالياً في السعودية قرابة خمسين طبيبًا متخصصًا في هذا المجال، بالإضافة إلى أطباء آخرين في مرحلة التخصص محليًا ودوليًا. ويضاف إلى ذلك عدد كبير من الأطباء من تخصصات أخرى مثل طب الأعصاب والباطنة، بالإضافة إلى أخصائيين نفسيين واجتماعيين ومهنيين صحيين آخرين.

 

أهمية إنشاء الجمعية السعودية للطب النفسي الجسدي

برزت الحاجة لإنشاء الجمعية السعودية للطب النفسي الجسدي لتحقيق أهداف رئيسية، منها:

  • تنمية الفكر العلمي في مجال التخصص وتطويره.

  • تحقيق التواصل العلمي بين المختصين والمهتمين.

  • تشجيع البحوث والدراسات العلمية بين مختلف التخصصات.

  • تقديم الاستشارات العلمية لذوي العلاقة.

  • عقد الندوات والمؤتمرات بشكل دوري.

  • التعاون الفعال مع الجمعيات والهيئات الأخرى لتحقيق رؤية السعودية 2030 في تحسين الخدمات الصحية المتكاملة، وتحسين جودة الحياة، ودعم التدريب الطبي والبحث العلمي.