اضطراب قلق المرض! والمرض الصحي المقلوب

هل سبق لك عزيزي القارئ أن عانيت من ألم مبهير، أو علة صحية غامضة، أقضت مضجعك الشهور الطوال، وشعرت بالحيرة والضياع بين دهاليز المستشفيات، بحثاً عن تشخيص طبي مقنع أو علاج ناجع؟! إن لم تكن أنت فربما قريب لك أو صديق، وربما تكون أو يكون مصاباً – وأنت لا تعلم – بأحد الاضطرابات النفسية الجسدية.

وللتوضيح بعض مصطلحات هذه المقالة، اسمح لي عزيزي القارئ، بأن أبدأ بسرد قصتين حقيقيتين (مع تعديل لبعض التفاصيل حفاظاً على سرية المرضى): فقد زارت المريضة م، عيادة الطب النفسي الجسدي على مضض، بعد إلحاح من ابنتها؛ نتيجة معاناتها من ألم أسفل الظهر، زارت لأجله عشرات العيادات الطبية والشعبية، وأنفقت آلاف الريالات، بحثاً عما يخفف من معاناتها. ورغم أن أشعة الرنين المغناطيسي للظهر أظهرت انزلاقاً غضروفياً محدوداً؛ لكن ذلك بالتأكيد لم يكن الذي يفسر معاناتها الشديدة التي امتدت لأكثر من سنة، وخضوعها لعشرات الفحوصات والعلاجات بحثاً عن حل لمعاناتها. أما المريض ن الشاب الثلاثيني، فقد كرر منظار معدة عشر مرات للتأكد من عدم إصابته بقرحة خبيثة في المعدة، كما حصل لوالده الذي توفي بسبب ذلك، عن عمر يناهز السبعين عاماً، ورغم أنه يشعر بالاطمئنان لبعض الوقت، عندما يطمئنه الطبيب على نتيجة المنظار، إلا أن القلق سرعان ما يعاوده، فيذهب مرة أخرى لمركز طبي آخر بحثاً عن حل لمعاناته.

ما سبق إيراده يعد مثالاً لحالات نفسية جسدية عديدة، لا تكاد تخلو منها عيادة طبية، وبالمثال يتضح المقال، أما المريضة م فهي مصابة بما يسمى اضطراب العرض الجسدي، والذي يُعرّف بحسب الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية، بوجود عرض جسدي واحد فأكثر (مثل الألم أو أي أعراض قلبية أو تنفسية أو معدية معوية أو عصبية، الخ)، وسواء تم تشخيص مسببات هذه الأعراض طبياً أو تعذر معرفتها، فإن ذلك لا يفسر بحال حجم الكدر النفسي الذي أصاب به، وتدهور إنتاجيته في وظائفه الحياتية المتعددة جراء ذلك. ويُصاحب هذه الأعراض لمدة لا تقل عن ستة أشهر.

أحد أو كل ما يلي: إما أفكاراً مستمرة ومفرطة حول خطورة هذه الأعراض الجسدية، أو قلقاً مفعماً حول صحته أو مال هذه الأعراض، أو استنزافاً لوقته وطاقته في تهدئة مخاوفه الصحية، أو البحث عن تشخيص وعلاج لهذه الأعراض.

أما بالنسبة للمريض ن فهو مصاب باضطراب قلق المرض، وهو مشابه في خصائصه لاضطراب العرض الجسدي، إلا أن المصاب به، لا يعاني من عرض جسدي محدد، وإنما هو مهموم بشدة من احتمالية إصابته بمرض خطير أو يعتقد أنه مصاب به بالفعل، لكن لم ينجح الأطباء في تشخيصه بعد. ومع أن بعض المصابين باضطراب قلق المرض يتحولون لزيائن دائمين للعديد من المراكز الطبية الخاصة أو العامة، إلا أن البعض الآخر قد يسلك سلوكاً تجنبياً معاكساً، فيتجنب زيارة الأطباء، وبذلك، حتى لا يتابعه، وعلاج أمراض مزمنة يعاني منها.

هناك عوامل كثيرة ترتبط بحصول اضطرابات الجسدية هذه، ومنها وجود الحبسة المزاجية (Alexithymia) وهي عدم القدرة أو صعوبة الوصف للعواطف والانفعالات أو عدم المدراية بالمشاعر الداخلية. وعندما يمر المريض بضغوطات نفسية أو اجتماعية فإنها تتضافر مع عوامل شخصية وبنيوية أخرى، لتساهم في نشوء مثل هذه الأمراض النفسية الجسدية. وهذان الاضطرابان شائعان، فقد يصاب بأحدهما ١٠٪ من المجتمع حسب دراسات عالمية. وكثيراً ما يصاحب اضطرابات الجسدية هذه، الإصابة ببعض اضطراب القلق أو الاكتئاب.

ويعتقد أن معدلات انتشار اضطرابات الجسدية في السعودية قد تفوق الرقم المذكور آنفاً – وإن كنا نفتقر حالياً لإحصائيات محلية دقيقة – وذلك لأسباب متعددة، من أهمها انقلاب الهرم الصحي لدينا. فمع وجود مستشفيات متطورة، تضم بين جنباتها تخصصات طبية بالغة الدقة، إلا أن نظام الرعاية الأولية وطب العائلة مازال مهمشاً لدينا، والحلقات الوصل بين أضلاع الهرم الصحي شبه مفقودة. فإذا شعرنا شاب ثلاثيني بألم عابرة في المعدة، مصاحبة لضغوط عماية أو عائلية، فإنه يلجأ لتحويل نفسه بنفسه، لأطباء متعددين ومعالجين شعبيين، يتنقل بينهم على غير هدى. وقد يذهب هذا المريض لأحد المراكز الطبية الخاصة لعلاج شكوى طبية واحدة، ثم تدافعه الأيدي بين عيادات المركز ومختبراته المختلفة، ويخرج منه في النهاية بشكاوى طبية متعددة، وبالطبع بعد فراغ جيوبه من الأموال!! وللأسف يحصل بعض الأطباء العاملين في تلك المراكز الطبية الخاصة على نسبة من قيمة الكشفية عند التحويل للعياادات الأخرى في نفس المركز، ونسبة من قيمة الفحوصات، وربما الأدوية التي يصرفها للمريض؛ وهذا يشكل تعارضاً في المصالح، وقد يؤثر على قراراتهم السريرية.

ولكي أختتم هذه المقالة، ببعض التوصيات للتعامل مع هذه الاضطرابات النفسية الجسدية؛ فعلى مستوى التعامل مع الحالات الفردية يُنصح بما يلي:

  • السماح للمريض بتلبس دور المريض – فلا تتنكر معاناته من هذه الأعراض، حتى لو انتفى وجود مسببات خطيرة لها.
  • التركيز على استرداد المريض لوظائفه الحياتية، وليس على زوال الأعراض الجسدية.
  • يفضل الاقتصار على طبيب واحد، والأفضل أن يكون طبيب الرعاية الأولية أو طبيب العائلة، وإن لم يحدوا له زيارات متكررة ومتقاربة إلى العيادة، مع تجنب إجراء فحوصات وتحاليل إضافية غير مبررة سريرياً؛ ويمكن اللجوء لتخصص بالطب النفسي الجسدي لبعض الحالات الصعبة.
  • الانخراط في جلسات العلاج الجماعي أو العلاج الفردي النفسي، أو تناول العلاج الدوائي لبعض حالات قلق المرض.
  • تشخيص وعلاج أي أمراض نفسية أخرى مصاحبة كاضطرابات القلق والاكتئاب.

أما بالنسبة للنظام الصحي، فأنني أضم صوتي لكل المطالبين بإصلاح الهرم الصحي لدينا. ويأتي على رأس ذلك، توسيع قاعدة الهرم الصحي بدعم برامج الرعاية الأولية وطب العائلة على كل المستويات؛ بما في ذلك تخصيص بعض كليات الطب لخدمة هذا الغرض، وكذلك تكثيف أعداد البرامج التدريبية المختصرة بإشراف الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، لتدريس مناهج مختصة بهذا الأمر. والهدف في النهاية، هو تخريج كفاءات طبية وطنية بأعداد كافية، لخدمة مناطق المملكة المترامية الأطراف؛ لتكون خط الصحة الأول الذي يبدأ منه أي مريض وينتهي إليه. فمن مركز الرعاية الأولية، تبدأ الوقاية من الأمراض، وعلاج الأمراض الشائعة، وهو المناط به التحويل المؤقت للمريض للرعاية الصحية الثانوية والثالثية، وعنده حلقة الوصل لكافة هذه الاستشارات. وفوائد ذلك لا تحصى، فستقل معدلات وحدة الأمراض العلاجية المنشأ (Iatrogenic illnesses)، كما ستقل شهور الانتظار للحصول على موعد في عيادة تخصصية. وفي المجمل، ستقل التكلفة الصحية والنفسية والاجتماعية والمادية بشكل عام.

إعداد:
أ.د. فهد بن دخيل العصيمي
2441هـ – 0202م