المقدمة
في هذه النشرة التوعوية ستجد معلومات أساسية تساعدك على فهم الاضطراب العصبي الوظيفي. يُعرف هذا الاضطراب بأنه مشكلة في الاتصال الوظيفي بين الدماغ وبقية الجسد، ويُسمى أحيانًا “الاضطراب التحويلي”. يصنف حاليًا ضمن الاضطرابات النفسية العصبية.
يشعر الكثير من المرضى أن رحلة الوصول إلى هذا التشخيص كانت طويلة ومُرهقة، مما تسبب لهم في معاناة كبيرة من سوء الفهم والعزلة، لكن تذكر دائمًا أنك لست وحدك في هذه المشاعر.
من المهم أن تعلم أن الأعراض التي تشعر بها هي أعراض حقيقية، وقد تتسبب في إعاقة عن القيام بالمهام الحياتية مثل أي اضطراب عصبي آخر. ورغم أن التدخل العلاجي المبكر هو الأفضل، إلا أنه يمكن أن يحدث تحسن كبير حتى في الحالات المزمنة من الاضطراب العصبي الوظيفي.
هدفنا من هذه النشرة هو تبسيط هذا الاضطراب المعقد من خلال تقديم معلومات وأدوات أساسية لفهم التشخيص. فوفقًا لدراسات عديدة، يساعد هذا الفهم في تمكين المريض وإشراكه في تحسين حالته، وقد يكون الفهم الجيد للاضطراب هو الخطوة الذهبية الأولى لعلاجه. معًا، يمكننا التقدم في هذه الرحلة العلاجية ليكون أملنا أكبر في العلاج بحول الله تعالى.
ما هو الاضطراب العصبي الوظيفي؟
الاضطراب العصبي الوظيفي هو اضطراب يعكس وجود مشكلة في الجانب الوظيفي من الجهاز العصبي، وتحديدًا في كيفية إرسال الإشارات واستقبالها بين الدماغ والجسم. هذا الاضطراب شائع مثل أي مرض عصبي آخر، وهو حسب الدراسات أحد أكثر الأسباب شيوعًا لزيارة المرضى للعيادات العصبية.
يمكن أن يصيب أي عمر، لكنه نادرًا ما يصيب الأطفال بعمر 10 سنوات أو أقل، كما أن نسبة انتشاره لدى السيدات أكثر من الرجال. يتم تشخيصه باستخدام فحوصات إكلينيكية معروفة، وليس فقط باستبعاد احتمالية التشخيصات الأخرى.
كما ذكرنا في المقدمة، أعراض هذا الاضطراب هي أعراض حقيقية خارجة عن سيطرة المريض، وتُعد سببًا شائعًا للإعاقة والضيق. قد يتداخل هذا الاضطراب مع حالات أو اضطرابات أخرى.
تحدث أعراض الاضطراب العصبي الوظيفي بسبب مشكلة في عمل أو وظيفة الجهاز العصبي، وليس بسبب خلل في تركيب الدماغ. هذا الأمر مشابه نوعًا ما لعدد من الاضطرابات الوظيفية التي تحدث في أجهزة مختلفة من الجسم، مثل القولون العصبي، والألم العضلي الليفي، وغيرها من متلازمات الألم المزمن.
بدأت الدراسات البحثية التي تشمل الأشخاص الذين يعانون من هذا الاضطراب في مساعدتنا على فهم المزيد حول هذه التغيرات غير الطبيعية في وظائف المخ. وقد أظهرت تغيرات حقيقية في وظائف الدماغ عبر بعض أنواع الأشعة وتصوير الدماغ الوظيفي التي تُستخدم على نطاق بحثي، وليس في العمل الإكلينيكي المعتاد. مع العلم أنه لا يتم تشخيص هذا الاضطراب حاليًا بناءً على أشعة أو فحوصات الدماغ المعتادة أو اختبارات الدم، بل يتم تشخيصه إكلينيكيًا في العيادة.
ما هي أعراض الاضطراب العصبي الوظيفي؟
كل مريض بالاضطراب العصبي الوظيفي لديه مجموعة من الأعراض التي قد تميزه عن غيره من المرضى بنفس الاضطراب. هذا الاختلاف قد يشمل شدة الأعراض، مدتها، ومدى تأثيرها على حياة المريض.
قد تكون هذه الأعراض حركية بحتة (مثل التشنجات أو الحركات غير الإرادية أو الرعشة)، أو تتعلق بحواس المريض (مثل نقصان أو فقدان بعض الحواس كالبصر أو التنميل)، أو أعراض لها تأثير على درجة وعي المريض.
هناك اعتقاد غير صحيح بأن مرضى الاضطراب العصبي الوظيفي يملكون القدرة على التحكم بأعراضهم، وهذا اعتقاد غير دقيق بناءً على أبحاث علمية متعددة.
ما هي أسباب هذا الاضطراب؟
من المعروف أن أسباب الاضطراب العصبي الوظيفي متعددة ومختلفة، ومن الممكن جدًا أن تختلف بين مريض وآخر.
من المهم معرفة أن الجهاز العصبي ذاته لا يوجد فيه أي خلل تركيبي، لكن المشكلة تكمن في تواصل الإشارات بين الدماغ والجسد، فهو خلل وظيفي في الأساس وليس خللًا تركيبيًا في ذات الدماغ.
هناك احتمالية أن الاضطراب العصبي الوظيفي يتم تحفيزه بسبب أمراض عضوية أخرى مثل الإصابات الجسدية، ضربات الرأس، الالتهابات المعدية، أو صداع الشقيقة. وربما يتم تحفيزه كذلك بإصابات أو أمراض طفيفة. حتى في حالة الشفاء من هذه الأمراض العضوية، فإن الاضطراب العصبي الوظيفي من الممكن أن يستمر.
كما أن الدماغ يعتمد في عمله عادةً بشكل أكبر على بناء التوقعات المسبقة عما يجري سواء داخل الجسم أو خارجه بناءً على التجارب الماضية، وعوامل أخرى عديدة، أكثر من اعتماده على محاولة تفسير ما يحصل فعلًا في كل وقت وحين. وهذا قد يفسر كيف للدماغ في هذا الاضطراب أن يفسر الإشارات التي تأتيه من داخل الجسم بطريقة خاطئة أو مبالغ فيها.
هناك احتمالية أيضًا أن تكون العوامل النفسية هي من محفزات نشوء هذا الاضطراب. لدى الكثير من المرضى رابط يربط بين أعراضهم العصبية الوظيفية وبين ضغوطات نفسية حديثة أو قديمة في حياتهم، ومن المحتمل جدًا أن كثيرًا من المرضى لديهم معاناة مع أعراض الاكتئاب أو القلق. وفي المقابل، هناك مرضى كثر كذلك لا توجد لديهم أي عوامل أو مشاكل نفسية تفسر أعراضهم.
كيف يتم تشخيص الاضطراب؟
يجب أن يتم تشخيص الاضطراب العصبي الوظيفي عن طريق طبيب متخصص (طبيب نفسي أو طبيب أعصاب) وعلى معرفة جيدة بهذا الاضطراب. التشخيص يتضمن معرفة التاريخ المرضي لكل مريض والبحث عن عوامل الخطورة التي من المحتمل أن يتشارك فيها العديد من المرضى. يعتمد التشخيص كذلك بشكل محوري على العثور على علامات إيجابية محددة حين فحص المرضى.
من الضروري كذلك أن يلجأ الطبيب إلى إجراء اختبارات أخرى للتأكد من عدم وجود أي اضطرابات أخرى، خصوصًا الاضطرابات العصبية المعروفة التي قد تقدم تفسيرًا لبعض الأعراض التي تتقاطع بين التشخيصات، لأنه من المحتمل أن يكون لدى ذات المريض المصاب بالاضطراب العصبي الوظيفي اضطرابات عصبية أخرى.
كيف نقوم بعلاج الاضطراب العصبي الوظيفي؟
يكون علاج الاضطراب العصبي الوظيفي أكثر فاعلية عندما يتضمن مجموعة من العلاجات المختلفة والعلاجات المخصصة لأعراضك الفردية. في الوقت ذاته، من المهم جدًا أن يبدأ العلاج بتقبلك احتمالية إصابتك بهذا الاضطراب والعمل علاجيًا على هذه الاحتمالية، لأن الإطالة أكثر من اللازم أو الإكثار من زيارات الأطباء للبحث عن أي تشخيص عضوي آخر قد تزيد من صعوبة الشفاء من الاضطراب العصبي الوظيفي.
من المهم أن تتذكر أن كثيرًا من المرضى يتحسنون مع العلاج وبالذات مع العلاج المبكر والمتكامل، ولكن قد تحصل لدى فئة منهم حالة مزمنة ومعيقة، وحينها من المهم أن تركز في علاجك على تقبل المرض، وزيادة استقلاليتك وجودة حياتك.
اعتمادًا على الأعراض الخاصة بك، قد يوصي الطبيب الخاص بك بما يلي:
– العلاج الطبيعي أو علاج النطق
– العلاج الوظيفي
– العلاج النفسي الكالمي
– الدواء
الهدف من العلاج هو “إعادة تدريب عقلك” للتخلص من أنماط الحركة غير الطبيعية وإعادة تعلم أنماط الحركة الطبيعية، أو التخلص من بعض الأعراض العصبية الأخرى. يتضمن العلاج أيضًا تعلم موازنة روتينك اليومي وزيادة النشاط تدريجيًا بقدر الإمكان.
إعداد:
د. سامي سعد
طبيب استشاري للطب النفسي
العصبي والطب النفسي ومعالج نفسي
مراجعة:
أ.د. فهد العصيمي
بروفيسور الطب النفسي
والطب النفسي الجسدي

