امتاز عصرنا الحديث بميزات كثيرة لها تأثيرات المتناقضة فله الحاجة إلى السرعة لطلب الرزق وقضاء الحاجات، ومع الوقت زادت المتطلبات العاطفية والمادية، وأكثر ما يمكنه من المستجدات الغذائية، مما أدى لندرة على توفير الوان عديدة من الطعام المريض واللذيذ، والقدرة على إعدادها في وقت وجيز، وفي زمان ومكان، كما هو الحال فيما يسمى بالوجبات السريعة، فأصبح انتشار وباء السمنة أمراً لا مفر منه.
في المقابل، ومع أباطرة الموضة ووسائل الإعلام، لتصبح الجسم مكتملًا أجمل للجمال والجاذبية، ومحاربة لما يمكن أن يثير السمنة، فقد أصبح بعض الباحثين أن هذه المشاكل لم تتسبب في حصول الممارسات، ومما زاد الأمر سوءًا على أولئك الأفراد، عندما أصبحوا ينظمون حمية غذائية منذ وقد تتفتت وسائل الإعلام بشتى أنواعها في الترويج لأنواع هائلة من الحمية، ووسائل تخفيف الوزن، التي أطلقوا هراء، فهي قد تشج موقعًا في تخفيف الوزن، ولكن لا يوجد برهان علمي كافٍ على صلاحها أو نجاحتها على المدى البعيد، فذلك لا غرابة أن يلج الناس في خيص يئس عند التعامل مع المشكلة، وأصابته نفسيات متقلبة، وساءت أحواله، ويشعر باليأس من حياته، ومن أجل رفع عبء الإنسان، وسعادته ونفسيته الذاتية، وكذلك فهو يخطأ أن التخلص من السمنة أسهل وأسهل، ولكنه يحتاج فقط لإدارة قوية، واتباع ما تروج له وسائل الإعلام من أنواع الحمية السريعة والفعالة بحسب (زعمهم)، وقد ساهم ذلك في تكوين صورة نمطية مجتمعية سلبية عن الشخص السمين، فتعرض لأنواع من الميز واللمز، والتمييز شديد في شؤون الحياة.
وقد وجدنا في إحدى الأرقام لآخر الدراسات العلمية توضح رقمًا مثيرة للقلق، أصبح مرض السمنة بزيادة هائلة، على ارتفاع نسبة الوفاة، وقد أعلن عنها في إحدى الهيئات منظمة الصحة العالمية لعام 2016، فهناك ما يقارب شخص من البالغين في العالم لديهم ارتفاع بالوزن (معدل كتلة الجسم = 25 فأكثر)، وهناك 600 مليون من هؤلاء لديهم سمنة مرضية (معدل كتلة الجسم = 30 فأكثر)، علمًا بأن معدل كتلة الجسم يتم حسابه بقسمة وزن الجسم بالكيلوجرام على مربع الطول (بالمتر).
ولقد ارتفع معدل الوفيات المرتبطة بالسمنة إلى أكثر من ثلاثة ملايين حالة وفاة في العالم خلال العام، تليها ثاني السمنة في أمريكا في المرتبة الثانية بعد التدخين، باعتبارها سببًا للوفاة، ويمكن الوقاية منها.
أما الأمراض الطبية المصاحبة للسمنة المرضية، فتشمل:
- مرض شريان القلب التاجي
- سرطان الثدي والرحم والبروستات
- داء السكري
- تشنج التهاب الكبد الدهني غير الكحولي
- خلل شحوم الدم
- مرض الجزر المعدي المريئي
- فرط ضغط الدم
- آلام أسفل الظهر
- فصال عظمي للوركين والركب والكاحلين
- انقطاع النفس النومى
وهناك عواقب أخرى للسمنة، ومنها:
- الاكتئاب
- اضطرابات الأكل
- التمييز الوظيفي
- التمييز في الزواج والعلاقات الحميمة
- مشاكل المواصلات
وآخر السمنة مرض متعدد العوامل المنشأ، والتي تشمل العوامل السلوكية، والبيئية، والوراثية، والاستقلابية، والعصبية، والسيما، ولتكون باقي العوامل الوراثي في مقدمة هذه العوامل وخصوصًا في حالات السمنة المفرطة.
وقد بدأت جراحات السمنة كعقابات مهمة لمعظم العلاجات الفعالة خلال العشرين سنة الماضية، وكانت بالفعل إدارة حالات مرضى السمنة في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها خلال عام 2015 فقط، وتشمل عوامل الناجية الإيجابية لجراحة السمنة الالتزام والروتين المعد من قبل الطبيب، والالتزام بزيادات المتابعة، وقد ألقت الجمعيات العلمية العالمية على ضرورة إجراء التقييم الشامل الجسدي والنفسي والاجتماعي للمرشحين لإجراء هذه الجراحات.
ولقد كان إقحام المتخصصين في الصحة النفسية في تقييمات السمنة عائدًا للانتشار الشديد للمضاعفات النفسية والسلوكية لدى مرضى السمنة المرضية، فاضطرابات القلق، مثل الرهاب (%18)، والوسواس القهري (14%)، فقد اضطرابات شائعة الحدوث لدى مرشحي جراحات السمنة، وتستلج بالطبع إلى العلاج، وكذلك يعاني أكثر من نصف هؤلاء المرشحين لجراحة السمنة من اضطراب الاكتئاب الجسيم، ففي إحدى الدراسات، كانت معدلات الاكتئاب الجسيم خلال العام قبل الدراسة لدى مرضى السمنة، والذي يزيد مؤثر كفئًا، وضم عددهم 40 شخصًا، في اضطراب السمنة، فكانت معدلات الرهاب الاجتماعي 19.3%، وقد وجد في اضطراب السمنة في أكثر من 172 من المرشحين لجراحة السمنة، وذكروا أقل بملء المشكلات النفسية للشخص النام بعد جراحة السمنة، فقد استلج بعض الباحثين أن هذه المشاكل لم تتسبب في حصول السمنة، وإنما كانت نتيجة للسمنة المرضية.
وقد أظهرت إحدى الدراسات أن معظم المرشحين الباحثين عن جراحة السمنة يتبعون حمية غذائية منذ سنوات المراهقة، وذلك بمعدل 5 سنوات، ولكن لا تتوقع فعالية زيادة الوزن المتكررة، وقد اعتبر البعض هذه الزيادة (73.1%) من الأمراض الطبية المصاحبة للسمنة، وعرض هذه الأمراض آراء اللجوء لجراحة فقد الوزن، ثم يلي ذلك الأسباب النفسية، وكذلك لتحسين جودة الحياة، وتوصل درعة احتراما الذات والجسم بعد جراحة السمنة، وقد تم قياس ذلك باستخدام مقياس احترام الجسم للمراهقين والبالغين.
ولكن ليست الصورة دائمًا وردية، فقد أظهرت إحدى الدراسات الكبرى أن 13% من سلسلة متتابعة لجراحة السمنة، احتاجوا لإجراء عملية جراحية أخرى كبرى لعلاج مضاعفات متعلقة بعملية جراحة السمنة. وبالإضافة للمضاعفات الجراحية، هناك احتمالية حصول عوز في الفيتامينات والمعادن وما تسببه أحيانًا من تأثيرات سلبية على الدم والمناعة والعضلات والأعصاب والقدرات المعرفية للدماغ. كما ازدادت محاولات الانتحار وإيذاء الذات بمقدار 50% خلال الخمس سنوات التالية لجراحة السمنة، وخصوصًا لدى النساء، ولدى بعض من كانوا يعانون من اضطراب نفسي قبل الخضوع لجراحة السمنة.
ولكل ما سبق، ولأسباب أخرى لم يتسع المقام لذكرها، ألقت التوصيات السريرية العالمية على منع تحويل جراحات السمنة لجراحات تجميلية، تجرى برغبة المريض فقط. وإنما تجرى كجزء من برنامج علاجي متكامل هدفه بالمقام الأول تقليل الوفيات المرتبطة بالسمنة المفرطة، ويُلجأ فيه لجراحة السمنة كحل أخير، بحسب حالة كل مريض على حدة، عندما يثبت أن إيجابيات العملية تفوق أكثر من سلبياتها المحتملة. وهذا البرنامج متعدد الاختصاصات، يضم بالإضافة للجراحين، أطباء سمنة وتخدير، وأطباء نفسيين، واجتماعيين، وأخصائي تغذية. ويخضع المريض لتقييم شامل جسدي ونفسي واجتماعي وغذائي قبل وأثناء وبعد إجراء العملية لخمس سنوات، وذلك لتوفير التدخلات الطبية والنفسية والاجتماعية بحسب الحاجة.
وتشمل المعايير الطبية التالية للجوء لجراحة السمنة، مما يلي:
- سمنة مفرطة جدا: أي معدل كتلة الجسم أكثر من 40، أو أكثر من 35 فقط في حالة وجود أمراض طبية مصاحبة للسمنة كـالسكري وفرط الضغط.
- مخاطر جراحية مقبولة تسمح بإجراء العملية بأمان.
- فشل عدة برامج غير جراحية سابقة لفقدان الوزن.
بينما تشمل موانع استعمال جراحة السمنة الأتي:
- الذهان النشط.
- الذهان العصبي النشط.
- اضطراب شديد في الشخصية.
- إساءة استعمال نشطة للكحول والمواد الإدمانية أو غيرها الاعتماد عليها.
- التخلف العقلي دون توفير دعم اجتماعي مكثف.
- محاولات انتحار أو التهوية بوحدة رعاية نفسية داخل السنة الماضية.
وختاما، أدعو الجهات الصحية المسئولة لتدوين إجراء جراحات السمنة ومراكز متخصصة كعلاج متكاملة ضمن برنامج علاجي متعدد الاختصاصات وجميعها المرخص بتقديم كامل جسدي ونفسي واجتماعي، والتي تقدم قبل وأثناء وبعد إجراء العملية لخمس سنوات، وذلك لتوفير التدخلات الطبية والنفسية والاجتماعية للمرضى بحسب الحاجة.
إعداد:
أ.د. فهد بن دخيل العصيمي
2441هـ – 0202م
